وداعاً أبي

افتقد الموكب المهيب حماس المواطنين الذين كانت تنظمهم قوات الأمن لكي لا يتدافعوا نحو مركبة السلطان، افتقد الموكب تلك السرعة التي كان يمر بها، ها هو يلوّح من خلف تخوم الغياب بقلبه لا بيديه.

افتقد الشارع ورود الجهنمية والنثور والريحان، افتقد الموكب ذلك الصخب الطاغي، واكتسب هيبة مختلفة، هيبة متشحة بالصمت والدهشة مع السواد، ها هي السيارات الخضراء -ذات اللون المعروف لي منذ أن نبتت أسناني اللبنية على لثتي وحتى سقوطها جميعا واستبدالها بأنياب الشباب- تمر غريبة وكئيبة، تنقل تحركاتها مباشرة على غير العادة، تحمل وجوها صامتة تنفجر بالكلام.

ها هي الروح التي بنت عمان تودع مسقط العامرة، الشوارع ممهدة وعلى غير العادة، على غير العادة تصطف السيارات على جنبات الطريق دون أن تثير حفيظة روافع المرور لتزيحها جانبا، ها هو الموكب يسير وكأنه شريط فيلم حزين تعمد تكرار اللقطة ببطء متنبئا أن هذا الموقف من ذاكرتنا لن يموت.

مولاي “ستفتقدك كلمة كنواي” على ألسنة كبارنا، ستفتقدك مهرجانات الطلاب والأعياد الوطنية، ستفتقدك لأول مرة فقدانا حقيقيا، فقدانا يقينا هذه المرة لأنك لن تعود، ضاربة بكل المعجزات التي ظل الشعب يحلم بها وبعودتها بحنكة طبيب ماهر أو بكف عجوز باكية يرتجف دمعها بالصلاة لك مع الدعاء.

تنتفض الأشجار مودعة لك وتساقطت أوراقها الخضراء لتلقي عليك تحية الوداع، الموكب يمضي إلى حيث لن نراك ثانية، إلى حيث لن نسمع فيه مرة أخرى خطابك، ولا تلك المراسم التي كانت تشنّف آذاننا، يشيعك أبناؤك إلى حيث يرقد السلام على ثرى السلام.

نحن لسنا وحدنا مثكولين بالفقد، بل سيفقدك التاريخ، ومعاهدات الصلح والسلم والوسيط الحكيم الذي لم تنله الثرثرة ولم يكن جانبا من جوانب الاحتدام، جامعك الأكبر، عسكرك، رجالك، العلم الذي يغطي جثمانك، كل شيء مرتبك، يشيعك أبطالك شطر الصلاة بعيون خلف الشموخ تتسلل دمعة جامدة.

أخشى على الأيادي التي تحمل العدسات أن تخر على البلاط ساجدة وتتناسى البروتوكولات، جنائز عسكرية تليق بجسد هزّ كتف الحياة البارد وضخ لعمان دماء من أصل عمان.

الدعاء يا أبتي وأصواتهم حطمت استقرار رأسي ووزير ديوانك تسرب دمعه من بين الجموع، فكيف من بعدك أعتاد اسم الديوان؟! وكيف لي ألا أتعثر بنطق اسم صاحب الجلالة اسمك! وكيف لي ألا أردد مع النشيد اسمك!

كيف لي أتجاهل على العملة توقيعك ورسمك! كيف لي أن أدعي اليوم بأني منطقية وأتشدق بالواقعية، وأقول روح كأي روح عاشت ورحلت، مع أني متيقنة أنها ستبقى الحياة.

وداعا أبي

منى بنت سالم المعولية

#عاشق_عمان

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق