الأحد, 8 ديسمبر , 2019
الرئيسية | مقالات | “مغامرة في الجبل المجهول، جبل الضبوك”(يصب-جبل الضبوك-غور النقصة-مسجد المضيق)

“مغامرة في الجبل المجهول، جبل الضبوك”(يصب-جبل الضبوك-غور النقصة-مسجد المضيق)

ذات يوم أمعنت النظر في طودٍ عظيم غيّب كل ما حولي من بشر، ومنشآت، حاولت عيناي أن تسكن في جبل القنة “جبل شمس” ولكنها ما تلبث إلا وأن يملأ مقلتيها هذا الجبل العظيم ! أدرك هلال البسامي ما يجول في خاطري وقال: هذا جبل الضبوك… الجبل المجهول والممنوع إلا عن مغامر ليس بالمزيّف!

قذفتني المشيئة الربانية لأكون أول مجيبٍ لنداء القائد هلال في مغامرة جبل الضبوك رغم اصراري على مسار مغاير في بداية الأمر، فكنت أسمع عنه ما يريبني ولعلي لم أكن مستعدًا بما فيه الكفاية.

في الصباح حملنا حقائبنا وفيها كل تجهيزاتنا عند قرية مهجورة تسمى (رجمة السِّقل) بالقرب من قرية (يصب) المشهورة بوعورتها، وبعد جولة سريعة في القرية تخللها شرح ألقاه على مسامعنا (نمر الخاطري) -وهو أحد ابناء هذه القرية- انطلقنا في مسيرنا المجهول والأخطر.

بدأنا من الحواف الفاصلة بين جبل شمس والجبال المؤدية إلى جبل الضبوك فمسارنا سيكون على مدار اليوم صعودًا إلى قمة جبل الضبوك ولكن المقلق، والمشوق في آنٍ واحد هو جهلنا بالمسار المؤدي إلى قمة جبل الضبوك من هذه الجهة فعلينا التشبث بدروب شقفةٍ إلى القمم كي توصلنا إلى الغاية وإن كانت الوسيلة مجهولة النتائج.

بدأ سالم العبري يصدح بالأهازيج السحتنية ونحن نردد خلفه، والجبال ترد الصدى مما اضفى روح النشاط، والمرح، والطمأنينة ويتقدمنا قائد الرحلة هلال البسامي وابن اخته عبدالله المسقري لتمحيص المكان، والتأكد من صحة الدرب فهما يقومان بدور الكشافة.

عند ارتقائنا لأول قمة كنا نرى بوضح يبعث البهجة قرية (كِرِبْ) بجبل شمس، وقرى وادي بني غافر، وقرى وادي السحتن بالإضافة لقرية (يصب)، وكل هذه القرى كأنهن بالقرب منا.

واصلنا المسير بين مشي، وتسلق، وعبور نقاط خطِرَة تتطلب التسلق أو الاعتماد على جذوع الشجر لتخطي شرخ جبلي ذو هوةٍ سحيقة، في حين تتسكع في قلوبنا المتعة، والذهول، والتحدي، وأدمغتنا تنبذ التيه وتتشبث بالمسار الصحيح.

توقفنا عند قمة وكأنها بوابة حصن بيزنطي منيع تعددت عندها الآراء حول الوجهة الصحيحة هل نلتف حولها من جهة الشرق أو الشمال الغربي؟ ولكن ابناء السحتن ورثوا خبرات جعلتهم يرجحون الجهة الثانية بعد رؤيتهم لأغنام (رغايد) لا تستطيع المواصلة في الجهة الشرقية رغم أنهم زعقوا عليها ودل ذلك على انقطاع الدرب.

وصلنا قُرنة تسمى “رفصة ضيبة” وبأسفلنا قرية “الصوع” بوادي السحتن وبالجهة المقابلة أغوار، ومصبات مائية تهبط في وادي بني غافر رغم بعده عنا، وهناك بدأ هلال، وياسر، وسالم يدلونا على جرار الماء، والخروس المدفونة في الأرض، وهي عبارة عن أوعية فخارية دفنها أجدادهم، وغطوها بنبتةٍ، أو “شبقة”، أو أي شيء يغربل مياه السيول الهابطة من أعالي الجبال ويحمي ما سكن من ماء في هذه الخروس من الدواب، والأوساخ، ثم يدفن بالأتربة والحجارة التي بدورها تقوم بعمليتي التصفية للمياه والحماية كما درسناه مؤخرًا في مادة العلوم.

شربنا من “جرير الصوع” ثم حثينا المسير لعلنا نصل إلى موقع المبيت في كهوف(منازل غور هاشم) التي ستحمينا من شدة البرد قبل الظلام ولكن هيهات فالليل مدركنا لا محالة، وبعد تشاور اتفق الجميع أن يكون المبيت عند قمة جبل الضبوك فالطريق إلى كهوف “منازل غور هاشم” يسبقه ممر ضيق خطر جدا يسمى “ساب الضجع” وقد حدث لي فيه موقف لن أنساه.
استقر الرأي على أن نقضي ليلتنا على القمة في مقابل “غيران الخندق” و بالقرب “جرير التميِّم” لتزودنا بالماء وعلى مرمى أبصارنا قرى وادي السحتن شرقا وجنوبا، وقرى وادي بني غافر غربا، وانارة خط الباطنة شمالا.

احتطب بعضنا، والبعض الآخر بدأ في تجهيز متطلبات الطبخ، والشوي وقد أبدع سالم في الطبخ، أما الشوي فهي مهمة عبدالله الهطالي كالعادة بينما ذهب الثنائي المميز خالد العبري، ويونس النصيبي لجلب الماء من مورده أما حميد الحاتمي فقد كان يتولى سد الثغرات في أي طلب للمساعدة فكانت ليلة سمر وضحك واستشراف لما سنواجهه في الغد وكنت حريصًا على قلة الكلام لأشنف أذني للهجة السحتنية، وحكاويهم التي دائمًا تُقرن بالطرف، وهذا يعكس نقاء قلوبهم، وصفاء سريرتهم.

انتقد القائد هلال -بحكم خبرته- كمية الحطب ونوعه لأن البرد يحتّم علينا أن نبقي النار موقدة طوال الليل ولكن الجميع كان ملتهي بالأكل، والسمر إلا شخص واحد اسمه “ياسر العبري” لم أكن أعرفه من قبل وقد أثارت شخصيته انتباهي فهو أكبرنا سنًّا، ويتمتع بالهدوء، والتواضع، وشدة البأس مع تزاحم الخبرات، فانسحب من بيننا بكل هدوء وما هي إلا لحظات ونرى تلكم الصنوخ (جذوع البوت) تتساقط بالقرب منا محدثةً ارتجاجة تبشرنا بنارٍ يستبيح سناها الظلام، وتكسر حرارتها بردنا القارس.

كان مبيتنا كما ابتغينا، وزيادة، فالعمق في النوم، وسكينة، ودفىء برغم البرد، وبعد صلاة الفجر ارتشفنا قهوتنا ثم استأنفنا المسير بعد أن أخذت قسطًا من الدفىء من “تنور الضباب” وقد أوردت شرحًا عنه في مقالٍ سابق.

لم يكن في حساباتي وبعض من يجهل المسار هو أن خطورة الطريق ستبدأ تتضاعف علينا أكثر من مسيرنا بالأمس فقد بدأ مسارنا من الجهة الشرقية لجبل الضبوك وتحتنا قرى (فسح، والطويان، والنقب)ونحن نمشي في ممر ضيق ينقطع أحيانا ويتسع اسمه “ساب الضجع” وعند أول انقطاع له وضعت قدمي اليمنى في الجزء الأمامي، واليسرى في الجزء الخلفي، وبينهما انقطاع ليس بالهين وبالتالي يجب علي الاعتماد على قبضة يدي قبل أن أخطو ولكن بسبب تهاوني، وثقتي في صلابة الجبل انخلعت الصخرة التي كنت معتمدًا عليها أثناء تحركي مما افقدني التوازن، ولو لا رحمة الله ثم قوة قبضتي اليمني في الصخرة، اضافةً لفطانة عبدالله المسقري لكنت قد هلكت ولن أكتفي بذلك فلن يبقى لي أثر فالقاع سحيقا جدا، لذلك كان هذا درسًا تداركته به الشباب الذين يجهولن المكان أن هذه الجهة من الجبل هشة لتعرضها الدائم لأشعة الشمس المباشرة، ولعوامل جغرافية أخرى لا يتسع المقام للحديث عنها.

توقفنا عند آخر الساب عند خرس يقال له “خرس المشيبك” وهو أشهر خرس في جبل الضبوك ومكانه خطر، ويشرف على معظم قرى وادي السحتن ويضرب به المثل على الاصرار، والشدة فيقال “فلان شارب من خرس المشيبك”، لذلك قررنا أن نتريق عنده، ونشرب منه، وقد أكرمنا جمعة المزروعي بما جلبه لنا من تمر وحلوى وغيرها من الأطعمة اللذيذة.

بعد أن انتهينا قام السحتنيون بتنظيف خرس المشيبك، وإعادة تأهيله، وهذا ما فعلوه كذلك عند كل جرة، وكل خرس واجهناه، ورغم كثرتها لم يتوانى الشباب وعلى رأسهم هلال، وياسر في تنظيف كل منها واعادة تأهيله.
انعطفنا شمالًا بعد العقبة التي ينتهي معها ساب الضجع بإتجاه عدود “الشرجة الخاطية” ثم كهوف “منازل غور هاشم” التي يفترض أن نقضي ليلتنا فيها لما تتمتعه من سعة، وتدفئة، وموقع متميز ولكن الخيرة فيما اختاره الله.
أكملنا مشوارنا عند آخر عقبة ومن بعده وصلنا لعارض مليء بالخروس والجرار المدفونة وأشهرها “خرس حصاة الزاد” لحاجة القدماء للماء في هذا المكان بعد “الحش”، أو المرور، وما يميّز المكان كثرة نبتة الضجع والجعدة وقد أكلت منهما القليل مع ياسر.

بعد انتهاء السحتنيون من اعادة تأهيل كل الخروس والجرار اتجهنا إلى “غور النقصة”، ثم إلى “كور الراكة” حيث مجرى مياه الغور وقد عبرنا الصخور أحيانا بالتسلق، وأحيانا بالقفز وفي المرحلة الأخيرة سلكنا ساب خطر لا يمر بمرونة فيه إلا المحترفون من ابناء الجبال.

وعند مسجد المضيق بين “الحويجر والميحة” كانت نهاية رحلتنا الأصعب، والأخطر، والأكثر متعةً، ولم تكن خطواتنا إلا تقديرًا لتلك الأقدام التي خاطت تلك التضاريس ليجمعوا الوطن الموزع في أطراف السماء، وعرفانًا لتلك الأيدي التي فجّت أصعب المسالك، ودفنت سر الحياة في بطون الوعورة والشقاء.

المغامرون :
هلال البسامي (القائد)
ياسر العبري
سالم العبري
عبدالله المسقري
عبدالله الهطالي
جمعة المزروعي
حميد الحاتمي
خالد العبري
يونس النصيبي
عبدالعزيز الكيومي

كتب : عبدالعزيز الكيومي

الأحد، ١، ديسمبر ٢٠١٩

#عاشق_عمان

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.