الأحد, 17 نوفمبر , 2019

لن أفقد هويتي

هبة لها من الجمال ما يأسر القلوب.. ومن ذكاء العقل ما يأخذ الألباب.. ومن كمال الخلق ما يفتح أفئدة المحبة والوداد.. حشمتها وإلتزامها بدينها كتاب يقرأ سيرته في حركتها وسكونها.. حافظة لكتاب الله، متعمقة في سيرة خير خلق الله.. ثقافتها العالية ، جعلها قاموسا تعتمد عليه بنات جنسها من أهل القرية.. أستقت ثقافتها من بيت زاخر بالمؤلفات.. وعائلة فاضلة ارتفع أسمها ، وسمت روحها بالعلم والمعرفة إلى أعلى الدرجات.. كان إهتمام والديها بها منذ نعومة أظافرها من حيث التربية الجيدة، وتغذية عقلها بالعلم المفيد ، ومن القرية إستلهمت جمالا يشفي العليل، واستقت منه نسائم الإنشراح وجمال الطبيعة والإنفتاح … ترعرعت لتحمل على أكتافها ما ثقل من التكاليف و المسؤوليات ، هي لا تزال فتاة صغيرة.. أنهت دراسة شهادة الدبلوم العام.. ولكن برغم ذلك كانت متقدة الذكاء .. مبادرة في المساعدة والعطاء .. وتقديم ما أمكنها من مقدرة وسخاء .. أهلا للثقة والصدق والأمانة والوفاء.
حصلت هبة على بعثة دراسية إلى إحدى الدول الأجنبية لإكمال مشوارها الدراسي .. الكثير من أهل القرية نصحها بعدم المجازفة والتغريب .. وخصوصا هي لم تعهد متاهات وتعب السفر.. ولم تقارع من قبل كبار المدن وإختلاط أنماط من البشر.. الموضوع أخذ منها الكثير من التفكير العميق، لكن الكل يعرف بعدم ترددها في إتخاذ القرار، ونظرتها الثاقبة نحو الهدف المنشود، أرادت ان تمضي قدما لبعثتها الدراسية.. و تخوض تجربة جديدة في حياتها .. وتتعرف على عالم جديد.. فضولها يجذبها لمعرفة ما وراء البحار… والتفكير بطريقة أفسح وأوسع من نطاق القرية، أو المدينة أو الوطن. وربما بإستطاعتها أن تطبع بصمة في بنات جيلها المبتعثات إلى الخارج… لكن في نفس الوقت عز عليها أن تفارق أهلها… صاحباتها.. أهل قريتها… بل القرية بأكملها… روحها البريئة لا تزال ملتصقة بتراب الأرض التى نشأت عليها.. جبالها الشامخة التى أكسبت نفسها الصلابة والعنفوان… صفاء ماء الأفلاج.. خرير جداولها الرقراقة.. كمائم ظلال الأشجار الوارفة.. وخضرتها النضرة اليانعة.. ترسم في آفاق خيالها وأعماق أحاسيسها لوحة بانورامية من أحلام اليقظة التى تراودها وتتصل بحبال أفكارها…
إقتربت ساعة رحيل هبة عن القرية.. وزاد الوجد والحنين .. انها اللحظة التى بدأ الضعف ينخر جسدها الناحل.. ويهد عنفوان قامتها الصلبة.. تنكسر عندها الخواطر… وتنصهر فيها القلوب.. إحتضنت والديها بقوة.. في لحظة شعرت بأن أحشائها اجتثت من جذورها… وإن الفراق صعب لا كما تخيلته.. واستمعت لنصائح والديها السديدة والمفيدة.. لتبقى زادا تستلهم منه قوتها وعزيمتا في الغربة.. وعكازا تستند إليه من عثرات أيام صعبة قادمة.. وحبلا موصولا ينقذها من تيارات الفساد وشهوات الإغراء الكاذبة… ثم ودعت أهل قريتها… تلاحقها دعوات الخير والصلاح والرعاية والفلاح.
بدأت هبة حياتها الجديدة في الغربة.. في مكان جديد… أشخاص لأول مرة تتعرف عليهم.. تعرفت على المدينة الجامعية.. ومسكنها الجديد.. قاعات المحاضرات والمحاضرين.. نظام الجامعة.. بعد أيام بدأت في التعرف على المدينة التي تسكنها والضواحي المحيطة بها.. المتزينة بأضوائها الساطعة وبهرجتها الجميلة الخلابة.. حركة الأسواق المكتظة بالرجال والنساء.. النساء بالقمصان القصيرة و السراويل الضيقة القصيرة .. الحياة الصخبة و الممتدة إلى ساعات متأخرة من الليل.. المطاعم والكباريهات منتشرة في كل مكان… كل ذلك لم يأسر قلبها.. ولم يغير من طبيعة حياتها.. أو ينل إنبهارا لشخصيتها، لأنها متسترة بنور الإيمان وملتحفة بلباس التقوى.
تمر على هبة الليالي والأيام ، مكرسة معظم وقتها في نيل العلم والمعرفة ، والإستفادة من كل ما هو متوفر بمكتبة الجامعة من كتب قيمة وأبحاث علمية مفيدة ، تساعدها في توسيع مداركها الفكرية ، تنهل من موائد العلم والمعرفة بشراهة ونفس مفتوحة ، ورغبة كبيرة عارمة.
برغم كل ما تبذله من جهد ، إلا إنها لم تنسى نصيبها لمناجاة خالقها في ظلمات الليل الحالك ، قائمة ، راكعة ، ساجدة، خاشعة ، ذارفة الدموع وراجية طهارة الأوزار والذنوب ، مسبحة لله الواحد المعبود ، جلوسها مع أخواتها الطالبات المغتربات لا يخلوا من تقديمها للنصح والإرشاد ، لتحصين أنفسهن و الإبتعاد عن أماكن الشبهة والغواية والفساد.
كانت في قاعات المحاضرات النموذج الأمثل ، للتلميذة المجدة ، المتفوقة خلقا وأدبا وعلما ، يطرب لسماع حديثها العذب، وتشتعل النفس شوقا للإنساط لمحاضراتها واطروحاتها الفكرية و الأدبية المفيدة ، تسافر بك إلى أجواء إيمانية في عالم الكون والطبيعة ، لتخلوا بالأرواح إلى مشاهد عظمة خلق الله وقدرته ، إلى الخلايا و مكوناتها الصغيرة الدقيقة ، ثم تعرج بك إلى الأجرام السماوية الضخمة ، وأفلاك مساراتها المنتظمة ، وإدراكها الواسع بالبراهين القرآنية الناطقة، وكذا البراهين الكونية المرئية المحسوسة ، لتقنع كل من سمع حديثها ، أو دخل في جدال حوار معها.
تخرجت هبة من الجامعة بدجة الإمتياز ، وكانت الأول على سلم التتويج على مستوى الجامعات ، مما جعل الجامعة بإغرائها لإكمال دراسة الماجستير والدكتوراة على حساب الجامعة نفسها ، لترفع من درجة سلم ترتيبها ، وتزيد من حسن سمعتها و مكانتها بين الجامعات الأخرى ، هكذا كانت هبة ، الفتاة المحجبة التى استطاعت أن تفرض نفسها ، وتقدم للمجتمع الذي اختلطت به ، الدين الناصع بجماله وروحانيته ،  بفهمها الواسع لنفسية من تتعامل معهم ، وعمق درايتها لما تحمله من علم ومعرفة وثقافة وتربية متزنة، دون مزايدة أو عصبية أو تدليس، لتكون المثل الأعلى في الحفاظ على دينها وسمعة بلدها ، والقدوة الحسنة لأمثالها و الأجيال التى تتعاقب بعدها.

حمد بن سعود الرمضاني

أبو سلطان 

#عاشق_عمان

                

تعليق واحد

  1. سليمان الرمضاني

    ماشاءالله عليك ابو سلطان كلمات جميله جدا راقت لي استمر بارك الله فيك❤️❤️

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: