السبت, 19 أكتوبر , 2019
الرئيسية | مقالات | (الرّاحلون..)

(الرّاحلون..)

{الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ} (سورة البقرة)
{كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ } (آل عمران)
…..صدق الله العظيم
.
من منا لم تشدّه تلكما الآيتين الكريمتين، من منّا لم تؤثر فيه عظمة ما جاء من قوله تعالى بكتابه الحقّ المبين في بداية هذه السّطور؟ أولم تشعروا وكأنّ هناك خبراً حزيناً سيتبع ما بدأت بذكره من آياتٍ عظيمة وجليلة تعوّدنا على رؤيتها وقراءتها عند حضورنا لنبأ وقوع وحدوث حالات الوفاة للقريب والبعيد وللغنيّ والفقير.

تلك هي سُـنّة الحياة يا إخواني وأخواتي، فمن خلق لنا هذه الحياة التّي تجمعنا ببقيّة البشر..هو بذاته الإلـٰهية قد خلق الموت الذّي يفرّقنا عن من نحبّ ونصاحب و نزامل، فتُقطع أوصالنا عن الأهل والأحباب والجيران وعن القريب والبعيد وعن الكبير والصّغير.

كم من المرّات تُفأجِئنا أخبار وفاة من نعرفه أكان قريباً أم بعيداً، زميلاً أم صديقاً، من السُّنٓنِ التّي نشأنا عليها في هذه الحياة وتستمرّ إلى مُحين السّاعة.. أنّه عندما يولد مولود لنا نفرح بمقدمه ونحمد ونسبّح لله على فضله، وفي مقابل تلك الفرحة هنالك لحظات أخرى يذهب عنّا إنسان عاش بيننا إلى الدّار الأخرى فنعيش بحزنٍ أيامٍ وسنينٍ طوال، وهي لحظات من البديهي أن نؤمن ونعلم بوجودها وحدوثها بأمرٍ من الخالق عزّ وجلّ.

لنقف قليلاً عند الأبواب التّى فيها يُغيّب الموتَ أُناس نعرفهم، ففيها يتوجّب علينا أن نراجع وننظر في تلك الجوانب التّي تخصّ علاقاتنا مع الآخرين، لنسأل ونبحث داخل أنفسنا، هل صدر عنّا تقصير تجاه أحدهم؟
هل قمنا بإلحاق الضّرر بأحدٍ ما؟ وهل عندما نقوم بأذيّة أحدهم، أنقوم بأخذ زمام المبادرة فنطلب الصّفح منه أو هل نقوم بقبول العفو والمسامحة عندما يطلب منّا الصّفح على أضرارٍ وقعت علينا؟

كثيراً ما نندم أشدّ النّدم عندما يصلنا خبر وفاة أحدهم فنحزن أياماً على فراقه، وكم تزداد الحسرة والألم علينا كلّما تذكّرنا صفات وخصال من فقدناه وخصوصاً من كانت علاقاتنا طيبة وراقية جدّاً معه فمات عنَا على غفلةٍ، أخذه الموت ونحن مشغولون بأمورنا ومشاويرنا الدّنيوية التّي إن وضعناها في كفّة مقابل رجوع حياة إنسان إستغفلناه وقصّرنا معه بصلات الرحم والجوار والصداقة لرجحت كفّة عودة حياة ذلك الإنسان الرّاحل.

ولكن ماذا لو كان الفقيد محبوباً وقريباً لدينا صديقاً أم زميلاً، أخاً أو أختاً قد رحل عنّا ونحن لسنا على وفاق ولا على لقاءٍ وتواصل؟؟!! ألن تتمنّى دوران عقارب الساعة وعودة ماضي الأيّام وربّما السّنين لتعوّض ما فاتك معه من أمور بسبب الخصام؟ ألن يكون جُلّ تفكيرك هو الحسرةِ على شخص قد قطعتَ وصلك وعلاقاتك به دون مصالحةٍ وإخاءٍ وربّما كانت القطيعة أمورٍ لم يُحدِثُها أو يرتكبها الرّاحل؟؟

من مات ورحل عنك لن يعود إليك أبداً، نعم لن يعود فلقد ذهب إلى الدّار الآخرة، ذهب وترك لك العتاب وألم الحسرة في داخلك، نعم هو لن يعود لتُجالسه وتكلّمه وتطلب منه المسامحة بسبب قطع الوصل والإهمال بسبب غفلتك، بل هو قد رحل وترك لك معاقبة نفسك ومحاسبتها كلّما تذكرّت أموراً كنتما تتشاركان بها، وكلمّا تذكرّت الرّاحل تقول يا ليت يعود فلان، يا ليت كان معي موجوداً، فمُخطئ بإعتقادك أنت يا من خاصمت عزيزٍ لديك أو أحدهم في عملك وجيرتك بسبب كلمة قالها لك بأن ذلك الخصام والنّزاع مساوياً لفقد إنسان إلى الأبد.
لنتصالح مع الأحياء والأحبّاء والأخلّاء قبل أن يرحلوا عنّا للأبد ونحن غافلين عنهم بسبب أمورٍ دنيوية قد تكون بلا معنى أبداً، جعلني الله وإيّاكم أصحاب عفوٍ عند المقدرة وجعلني وجعلكم ممّن على وفاقٍ مع الجميع سواء.
وختاماً لنتذكّر قوله تعالى..
{وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}
( سورة الشورى)
{وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ }
(سورة الشورى)

فؤاد آلبوسعيدي

#عاشق_عمان

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.