الخميس, 12 ديسمبر , 2019

خيال الذاكرة


بدر بن عبدالله بن حبيب الهادي                                                        

هذا المساء سأكتب قصة ، منذ زمن لم أكتب قصصاً جديدة ، ها أنذا أجهز نفسي في ممارسة بعض الطقوس قبل الشروع في كتابة الحرف الأول ، هذا كوب الكركدية ، وهذه رزمة الأوراق وذا القلم ، وهذا الهاتف النقال وقد تم اغلاقه ، إذن ما هو الشيء الذي نسيت إحضاره إلى هذه المائدة الفكرية .. لقد تذكرت ، إنها الفكرة التي ادخل بها إلى عالم الاحداث ، ولكن أية فكرة مجنونة يسعفني بها عقلي المتوقف عن التفكير حتى استطيع كتابة القصة المنشوده ، هل أكتب عن الفتاة التي تزوجت وبعد خمسة أشهر من زواجها رزقت بمولودها الأول ، أوأكتب عن ذلك الشاب الذي نام لمدة أسبوع بأكمله مواصلاً ليله بنهاره وحين نهض من النوم قال لأمه :
-هل حان موعد ذهابي إلى العمل؟
الأم ردت عليه ساخرة .
-ليس بعد ، ما يزال الوقت مبكرا ، وبإمكانك النوم لأسبوع آخر.
    ماذا أكتب ، ليس لدي غير هاتين الفكرتين ، أرمي بالقلم والأوراق وأترك كوب الكركدية البارد لأدخل إلى دورة المياه ، أنظر في المرآة أتابع تفاصيل وجهي ثم أسألها السؤال المعتاد ، ماذا أكتب ؟ المرآة تطرح نفس السؤال ، تبا .. ليست هناك فكرة جديدة يمكنني الكتابة عنها ، لماذا لا أصعد إلى سطح المنزل لعل السماء تمطرني بفكرة تخرجني من هذا المأزق ، صعدت وجلست على الأرض الإسمنتية رافعا رأسي إلى النجوم التي كانت تستفزني بلمعانها الساحر ، هل لديك فكرة أيتها النجوم أستطيع كتابتها ؟ انتظرت دقيقة لأعرف الرد ، لكنني لم أحس بأي شيء يدغدغ رأسي دلالة على أن فكرة ما قد دخلت اليه ، رفعت بصري إلى السماء ثانية وقد حسبت نفسي محلقا في آفاق السماء وأنا أطوف ذراها المتلفعة بتلك الزرقة الغامضة ، وتمنيت لو أستطيع معرفة السر الذي تخفيه :…
أيتها السماء العظيمة
ها أنذا أرجع البصر إليك
أحاول استحلاب تلك الزرقة الغامضة
وأحاول أن أجتاز محيط الفكر
أنقب في صدرك الواسع عن كلمة
أثبت بصري في الوسط تماماً
أطفو فوق بحر من النجوم
أعبيء ذاكرتي .. أحس بنشوة السكير
أشعر أني أختنق …
    لا فائدة … يبدو ان فكرتي الغائبة مصرة على الاختباء في مكان مجهول ، ماذا أفعل ؟ .. لقد قررت كتابة قصة جديدة ولا أستطيع التهرب من ذلك الوعد ، يبدو أنني لا أستطيع الكتابة في هذا المساء لأن أحدهم بدأ يناديني .
-أسرعٌ أيها الحالم بالنجوم ، القمر يناديك على هاتف المنزل .
القمر يناديني ! .. لا بد ان النجوم اخبرته (بالورطة) التي أوقعت نفسي فيها لأنزل وأتحدث معه لعل لديه فكرة جيدة تصلح لكتابة قصة جديدة .
-ألو .. أين أنت أيها القمر الجميل انتظرت شروقك منذ زمن لكن يبدو أنك تبالغ في التأخر عن عشاقك .
-إنك شاعر أيها الشاب .
-من أنت؟ .
-أنا القمر الذي كنت تنتظره .
-لكنك فتاة ، والقمر ذكر .
-أترك عنك المزاح ، هل يعقل أن يتحدث معك القمر على الهاتف ، أنا الفتاة التي حدثتك بالأمس في مقر عملك ، ألم تعرفني ؟ .
-هل تكذبين عليّ ، أنا لم أتحدث مع أية فتاة منذ أسبوع كامل .
-أنا لا أكذب ، أقسم أنني حدثتك بالأمس .
-بل أنت كاذبة لأنني كنت نائماً منذ أسبوع ، أمي قالت لي ذلك ، هل أصدقك وأكذب أمي .
-ماذا أصابك ؟ هل فقدت ذاكرتك ؟ أقسم أنني حدثتك بالأمس وبالمناسبة أنت من حدد لي هذا الموعد للاتصال .
-أنا .. !
-نعم أنت ، هل تذكرتني الآن .
-إذن أنت الفتاة التي تزوجت وانجبت طفلها الأول بعد خمسة أشهر من زواجها وقد أكمل شهره التاسع .
-أخرس يا كلب .
-كلب .. لقد تذكرت ، أعتقد أنني كتبت شيئاً ما عن الحيوان الذي تتحدثين عنه ، إذن أنت الفتاة التي كانت تمسك بالسلسلة الذهبية وتجر خلفها كلب صغير أبيض البشرة.
-قلت لك إخرس ، يبدو أنك سكراناً أو مصاباً بالجنون .
-أنا أرفض ذلك ، لا أوافق على ما تقولينه أبدا ، يجب أن تحددي رأيك إما أن أكون سكراناً أو مجنوناً .
-إسمع يبدو أنك في حالة غير طبيعية ، سأغلق الهاتف وأعاود الاتصال بك بعد ساعة.
-لماذا تعاودين الاتصال لقد قلت لك أنني كنت أغط في سبات عميق لمدة أسبوع كامل، أمي قالت لي ذلك وهي صادقة فيما تدعيه .
-إسمع ما زلت عند كلمتي لك ، سوف أغلق سماعة الهاتف ثم أتصل بك بعد ساعة .. مع السلامة .
-ألو .. ألو .. تبا لقد نسيت سؤالها ان كانت لديها فكرة أستطيع كتابتها .
    كان الصداع يدق رأسي بمطرقة عندما قررت الذهاب إلى أمي لأسألها إن كانت لديها فكرة تسعفني بها ، وحين وصلت إليها رمقتني بنظرة لم تحاول إخفاء ما أرتسم فيها من غضب مما آثار في نفسي مزيداً من القلق لكنني تلقيت نظراتها بدعابة مصطنعة ثم قررت العدول عما كنت أنوي فعله وقد تولاني ضيق شديد لأني أدركت بطبيعة الحال أنه ينبغي لي الحصول على فكرة ، أيا كانت تلك الفكرة حتى أستطيع كتابتها ، وبدأ الموقف وكأنني لم أمارس الكتابة من قبل ، رباه .. لقد أفلس عقلي فمن ذا الذي يعيرني عقله لأفكر به ، وساورني قلق لم أدر سببه وحيرة مؤلمة وأنا أحاول تذكر أمراً هاماً يضن به النسيان على عقلي ، واستشعرت خطر المشكلة التي أعاني منها ولكني لم أجد بدا من ترك الأوراق والقلم وكوب الكركدية الذي لم تلامسه شفتاي، ثم أنهض أذرع مساحة الغرفة جيئة وذهابا وقد استحوذ علي الخوف والقلق، وعاودني ذلك الإحساس الخانق الذي قهرني حين وصفتني تلك الفتاة بتلك النعوت القبيحه ، نظرت إلى الساعة ، ما يزال هناك خمسة عشر دقيقة على موعد اتصالها الثاني ، ومضت الدقائق الواحدة تلو الأخرى وأنا أتعذب عذاباً شديداً ، ليتها تتصل الآن وتريحني من هذا العذاب القاتل .. توت ، توت .. أسرعت إلى رفع سماعة الهاتف.
-ألو.
-مساء الخير هذه أنا هل تذكرتني الآن؟
-ليس بعد ، لكنني أطلب منك مواصلة الحديث لعلي أستطيع التذكر .
– أعذرني .. لا ادري ماذا أقول ، يبدو انك تعاني من مشكلة ما؟
-لدي مشكلة بسيطه ، فأنا أحاول الحصول على فكرة حتى أكتب قصة جديدة .
-لاتوجد مشكلة في هذا الأمر ، أنا الفكرة وأنت تستطيع كتابتها متى تريد .
-حقاً .
-نعم .
-أذن فلتدخلي في عقلي لأعرف من أين أبدأ كتابتك .
-لا ، لا .. يبدو أنك تعاني أكثر مما تصورت ، لقد كنت أمزح معك ، فأنا أنسانة ولست أحرف تستطيع كتابتها في كراستك .
-لكنك ، لقد قلت قبل قليل أنك …
-كنت أحاول معرفة سبب نسيانك لي ، يبدو أنكم معشر الكتّاب تبالغون في بعض الأمور وتتوهمون أشياء لا وجود لها .
-لكنني أحاول كتابة قصة جديدة ، لقد عاهدت نفسي على ذلك ولن يمر هذا المساء قبل حصولي على فكرة أستطيع كتابتها .
-أسمع ، هل أقول لك خبراً يسرك ؟.
-خبر يسرني ! .. أنجديني به أرجوك فكم أنا بحاجة إلى الأخبار السارة .
-لقد اكتملت لديك كل الخيوط لتحقيق الفكرة التي تبحث عنها .
-آه .. لقد تذكرتك الآن ، أنت من أتصل بي يوم أمس في الساعة العاشرة صباحا وطلبت مني معاودة الكتابة ، تبا للنسيان ، أخيرا تذكرتك .
-وهل تذكرت شيء آخر ؟ .
-نعم لقد تذكرت كل شيء ، بعد نصف ساعه أكون بجوارك ونذهب إلى المكان الذي اتفقنا عليه بالأمس ، إلى اللقاء بعد نصف ساعة .
    بعد ذلك ركبني جنون ، جنون السعادة التي كادت تفر مني ، لقد تغلبت على خيال الذاكرة ، وانتهيت من كتابة القصة وهناك موعد جديد ربما أخرج منه بحصيلة وافرة من الأفكار تكون لي زادا لكتابات قادمة ، شربت كوب الكركدية ، وفتحت الهاتف النقال وقهقهوا جميعا ، المرآة ، والنجوم ، والقمر وفتاة الهاتف وتفكرت في الأمر طويلاً ، ثم افقت على صوت كأنه آت من بعيد .
-أنهض من النوم ، زملائك ينتظرونك في السيارة منذ وقت طويل ، ألا تريد الذهاب إلى العمل .
-فليذهبوا بمفردهم لدي أسبوع آخر من النوم ، أنت من قال ذلك وأنت صادقة فيما تدعينه .

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.