الأربعاء, 16 أكتوبر , 2019

الوظيفة

بدر بن عبدالله بن حبيب الهادي                                              

لا شيء يهم، لا شيء يهم، لم يعد هناك شيئا يستحق الاهتمام، أعمل خبازا أساعد العامل الأجنبي في عجن الطحين، أو سائق لأحدى سيارات بيع الخضروات تحت كفالة أحدهم لا شيء … رددها لساني بتثاقل وفضلت بصق ما تبقى منها على رصيف الشارع.
أذرع الشوارع محاولا جمع شتات أفكاري ، أبحث عن اللوحة المفقودة في هذه الحياة ، لا أعلم كم من الوقت مضى وأنا أتسكع في تلك الشوارع ، سنة أم سنتين ربما أكثر ، لم يعد لدىّ الاهتمام بعدد الأيام والسنين ، ضحكت بصوت أقرب للنهيق ، وأنا أدس جسدي في داخل سيارة الأجرة ، رأيت السائق وهو يختلس النظر إلى وجهي في مرآته وقد بدأت علامات الاستنكار والتعجب مرتسمه على وجهه ، كنت أجلس في المقعد الخلفي ، عندما أغمضت جفنّي وتخيلت نفسي مطاردا من قبل أرباب العمل وأنا اجري من أمامهم ( ياجماعة شوفولكم واحد غيري أنا بعدني ما مليت من الحواطة ) أركض وأسابق الريح في ركضي ، طرقت الباب ، تك ، تك ، صوت من خلف الباب يأذن لي بالدخول ، دخلت وأغلقت باب المكتب خلفي ، بدأت الأسئلة تدور كعقارب الساعة وأنا أرد عليها بما بقى عالقا بمخيلتي من سنين التحصيل الدراسي وتارة أرد بالقريحة ، أخيرا سمعت الصوت يطلب مني المغادرة وعدم العودة اليهم إلا بعد تلقي الاتصال ، فتحت عينيّ لأطلب من السائق التوقف بالقرب من المقهى الموجود على جانب الطريق ، نقدت له أجره ، وأحسست ببرودة منعشة تسرى في جسدي وأنا أتقدم صوب عامل المقهى ، طلبت منه كوب شاي مؤكدا له بأن يزيد من كمية السكر لعلها تخفف من الغصة التي تطعن في حلقي ، وعندما أبدى دهشته ، عنفته وكدت أفتعل مشكلة معه ، غير أني تخليت عن ذلك وأنا أشاهد فتاة جميلة واقفة بجواري ، لم أشاهد أحدا في جمالها ، ناعمة في حديثها وهي تطلب عصير الليمون من البائع ، رقيقة في مشيتها عندما استدارت مبتعدة عني ، النجوم ارتسمت على ملامح وجهها عز النهار ، اذا ضحكت أقبلت عليها الدنيا صاغرة ، جسمها ، صوتها ، ضحكتها ، مشيتها ، دلالها ، عطرها النافذ إلى أعماق القلب ، كلها مفاتن ، فتاة ناضجة تشبهت  بالقمر ، سبحان الله لن تجد صعوبة في الحصول على وظيفة ، قلت ذلك في سري ، ومددت يدي مسلماً ، تجاهلتني ولم تلتفت نحوي ، لم أعاتبها على ذلك وخنقت في صدري كلام ، ثم شربت كوب الشاي دفعة واحدة ، واعتراني شعور بأن الفتاة التي اراها الآن ليست سوى وهم كاذب.

عند رجوعي إلى المنزل أخلع ملابسي التي تشربت العرق ، لكنني لن أستحم ، نعم لن أزيل الرائحة من جسدي فهي الدليل الوحيد الذي أقدمه لأمي لأخبرها عن المعاناة التي أعانيها من التطواف بين البنايات الضخمة حتى حفيت قدماي والدخول من البوابات الزجاجية اللامعة التي كدت الاصطدام بأحدها من فرط العناية والنظافة الزائدة عن الحد الذي يدركه العقل ، وحين تأمرني أمي بالدخول إلى دورة المياه للاغتسال لن أتحرك من مكاني خطوة واحدة ، أعمل نفسي لا اسمع ما تقول ، واذا علا صوتها مستنكرة منظري والرائحة الكريهة الصادرة من جسمي (نهض روح تسبح خايس صنان ) أصرخ في وجهها قائلا .. لن أستحم، اذهب إليهم كل يوم بهذا الجسد القذر، أهددهم بالأضراب عن استخدام المياه إلى ان يوافقون على طلبي، ثم اخفض من صوتي لأقول لها هامسا، لقد نذرت هذا الامر على نفسي وكما تعلمين يجب الوفاء بالنذر، أليس هذا ما يحثنا عليه ديننا الحنيف، ما ان تسمع الكلمة الأخيرة وأنا اعرف أمي جيدا لا تملك غير الموافقة لتذهب لاستكمال ما تبقى من روتينها اليومي، تحسست ساعد يدي الأيمن فوجدت (الحرز) الذي اهدته لي أمي لا يزال في مكانه.
– ماه تعرفي التاريخ النصراني بولدتيني فيه؟
– خرجت من بطني في تاريخ ثلتعشر بس ما متذكره الشهر.
– ليش يا أمي ولدتيني في هذا اليوم ما تعرفي أنه ما يجي منه غير النحس والشؤم، يعني كان لازم تخرجيني في هذيك الساعة، كان قدمتي يوم ولا أخرتي يوم، ليش ماه طيحتيني من بطنش في هذا التاريخ النحس؟
لم ترد على كلامي وأشاحت بوجهها الملائكي مبتعدة عني رافعة يديها إلى السماء، ربما كانت تدعو لي بالتوبة والغفران والحصول على عمل مناسب.
   
أعبر الشارع في عجلة من أمري ، أكاد أتعثر بالخطوط البيضاء الممتدة إلى ما لا نهاية ، احس بحصار العربات المحيطة بي ، العن الجميع بمن فيهم مندوبي الإعلانات الذين يتجولون في الشوارع وهم يوزعون على الناس نسخ الإعلانات الملونة دون النظر إلى حالة الشخص الذي يتعاملون معه ، استنكر هذا الاضطهاد ، صبرا ، قلت ذلك في نفسي ولكن هل أستطيع الصبر فعلا وأنا أستنشق الدخان الخارج من عوادم السيارات التي مرت من أمامي في موكب عظيم ، وكانت احداها مزينة بالورود ، يبدو انه موكب عرس أليس من الغريب أن يتم العرس في صباح يوم الأثنين ، مجتمعنا المحافظ تعود على إقامة الاعراس في نهاية الأسبوع ، ربما جنازة وتلك السيارة المزينة تحمل جثة الهالك يبدو أنه  كان من الأثرياء وربما كان بخيلا وجاء الموت لينتقم منه ليخلص أولاده من بخله وجشعة ، ارتحت لهذه الفكرة فهي الأقرب إلى الحقيقة .

في مكتب واسع جميل وجدت نفسي أقف أمام رجل أنيق المنظر يلبس قميص بني اللون متناسقا مع لون اثاث المكتب، على راسه وضع زيت النارجيل وقد بدأ شعره شديد اللمعان وعلى عينيه نظارة سوداء، يبدوا أنه يستعملها لأخفاء عيب في احدى عينيه أو كلتيهما، من منظره وهيئته الخارجية ورائحة النارجيل التي ملأت المكتب ومن اعوجاج فكيه وهو يرطن ببعض الكلمات العربية، تأكدت بأن هذا الرجل ليست له علاقة بأبناء هذا البلد، بادرته بالتحية، لم يرد عليها واكتفى بإشارة من أصبعه السبابة عرفت منها بأنه يدعوني للجلوس.
– تكلم عن نفسك وأيش عندك مؤهلات وخبرات بس لازم يكون باللغة انجليزي.
– دون وعي وجدت نفسي اصرخ في وجهه، مؤهلاتي أربع سنوات في إحدى الكليات ومثلها متسكعا في الشوارع، وبعض الشهادات الجميلة من معاهد مختلفة كلفتني، وبالأدق كلفت أمي سهر الليالي وعشرات الغرز في أصابع يديها وآلاف اللعنات تتمتم بها في سرها على هذه الحياة التي لا معنى لها، أما الخبرة فأن رائحة جسمي وملابسي المتسخة هي كل ما أملك ولساني لا يتحدث غير اللغة التي سمعتها، وأريد وظيفة، هل لديك اعتراض؟

– يا سلام والله واجد زين، انتو شباب تعبان كيف يعني أنت يريد شغل ولا يريد غسلك؟
– الاثنان معا، وأصابتني رجفة وبدأ جسمي يرتعد من فرط الانفعال والغضب.
– أوت.. قالها بطريقة حاسمة، وخرجت من عنده متدحرجا على درجات السلم وأنا أتلفت يمنة ويسرة لعله أرسل أحدهم للقبض علىّ ويتهمني بقلة الادب وعدم المبالاة، هذا الأجنبي المنفوش كالديك يحاول حذفي من على صفحات الزمن بمجرد عدم استطاعتي اجترار اللغة التي طالبني بالتحدث بها وربما استنكر منظري وسبني في السر وتجرأ أكثر ليصفني بالرجعي الذي لم يرتشف من ثدي العصر في هذا الزمن الأعور، اردت العودة اليه لألعب بشعره اللامع وأكتشف العيوب التي يخفيها خلف نظارته غير أني تخليت عن هذه الفكرة، عند البوابة الخارجية للمبنى وضعت أصبعي السبابة في داخل حلقي لأتقيأ كل ما حصلت عليه في مكتب ذلك الديك الـــ (…..).

تركت سريري بهدوء وأخذت أزحف إلى زاوية من زوايا الغرفة، وصلت إلى المكان الذي كنت أضع فيه كوب الماء، أحس بالعطش، أمد يدي المرتعشة، أرفع الكوب إلى شفتي مرتشفا منه قطرات قليلة، أحس بالراحة وبروحي قد عادت إلى جسدي. اتجول ببصري في انحاء الغرفة، وبدأ النعاس يتسرب إلى عيني وقد أصبحت عبائة الليل سيدة المكان ، ونمت دون مشقة ، وحلمت بالوظيفة …. فجأة تذكرت موعد آخر لمقابلة جديدة… وينهمر آذان الفجر .. الله أكبر.. الله أكبر…!  

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.