الخميس, 19 سبتمبر , 2019
الرئيسية | ثقافة وأدب | سميرة مراد
يعقوب السعدي

سميرة مراد

الضوضاء في المدينة خانقة جدا ، لا تتوقف ابدا ليل نهار ، وكل صباح تستمع إلى نباح الكلاب المزعج المتتابع والمتسارع وكأن هناك خطبا ما ، حنين المكيفات يتردد بين جدران وأزقة الحارة الواقعة بالقرب من الشارع العام ، صوت السيارات العابرة بالليل تشق الصمت شقاً ، أصعد أحيانا إلى السطح أحاول أن أجد الهدوء بين الحمام البائت فوق أسلاك كهرباء المنزل أو على حبل الغسيل ، لكن حتى الحمام عندما تقترب منه لا يكف عن الهديل ، أحس بالإختناق من كل شيء حولي ، الهواء الجاف الحار يلفح جدار بشرتي ويغرق مسامها بالعرق ، إضاءة الشارع تكشف أبسط تفاصيل الحارة بالليل وكأنها شمس مشرقة ، انزعجت كثيرا من الوضع الممل والذي بدأ يؤثر حتى على تفكير فأصبح معتما كعتمة هذا الليل ، أشحت بظهر لأغادر سطحي البائس الحزين بحزني ، وإذا بباب سطح جارنا مراد يفتح ، نعم أنفتح الباب وغطى نورها على نور اعمدة الشارع وكأنها قمر تلك الليلة ، قلت بدون قصد وبصوت مسموع .. آووه سميرة ، نظرت نحوي دون حتى أن تبتسم وإقتربت على حافة جدار سطح بيتهم القريب من سطحي بيتنا ، وما إن وقفت حتى قالت وهي تنظر إلي بنظرة كلها ثقة ( نعم .. أنت موه مسهرنك علين تو .. جالس تراقب الناس ؟ ) ، شدتها وحدتها وتصوراتها جعلتني أبتسم رغم كل المنكدات حولي ، إقتربت من حافة الجدار ونظرت بنظرة مباشرة إلى عينيها فأفقدني الشعور بكل شيء حولي إلا بها ، سميرة .. كلمة نطقتها بأعذب ما يكون يوما ، خرج أسمها من تجاويف فمي إلى لساني إلى شفتي وكأنه بلسم يضمد جراح العاشقين ، لقد تغير لونها وتعابير وجهها حين استمعت إلى أسمها وشاهدت أسمى معاني الحب تتلألأ في عيني ، أدركت كم كانت غبية هي حاولت توبيخي ، ظلت عينيها تسكن عيناي وكأنها تلقت صدمة قوية ، قلت لها وبصوت هامس ناعم يدغدغ طبلتي أُذنيها .. أسمك جميل جدا .. سميرة مراد .. أسم فني .. وأنتِ جميلة كجمال أسمك ، لكنها إبتعدت للخلف وأشارت بإصبعها السبابة وهي مستمرة في الرجوع للخلف ( بتشوف بكرة .. كلامك هذا ما راح يمر بسلام أبدا ) ، وأغلقت باب السطح بقوة وهي داخلة ، ما الذي جعلها تتغير في لحظة ، هل من المعقول إني قرأت تعابيرها على غير صحتها ، يجوز كل شيء يجوز .. هكذا تمتمت في ضميري بهذه الكلمات ، ما هذا اليوم التعس ، كل شيء به كآيب جدا وخانق جدا جدا ، نزلت من سطح البيت وأنا أفكر بها ، لقد شغلتني كثيرا رغم إني كنت أراها من بعيد دائما وهي تدخل البيت أو تخرج منه ، لم يسبق وإن سلمنا على بعض أو دار بيننا حديث ، كل ما في الأمر نظرات يتيمة نتبادلها في ما بيننا تصحبها إبتسامة باهته ، ما إن وصلت إلى غرفتي حتى رن الجرس وقرع الباب بقوة ، ذهبت مسرعا ضنا مني أن هناك خطب قد أصاب أحد الجيران فقد كان الطارق يردد أسمي بسرعة ، فتحت الباب وياليتني لم أفتحه مطلقا ، فها أنا ذا أرقد في خولة مكسور الأنف وثلاثة أضلاع من صدري وكأني تعرضت لحادث سيارة ، فلم يترك أبيها مراد شيئا لم يكسره سوى رقبتي .

قصة قصيرة بقلم الكاتب / يعقوب راشد سالم السعدي

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.