الأربعاء, 11 ديسمبر , 2019
الرئيسية | مقالات | عبدالله بن سعيد الشعيلي | فاحَت بريّا الحَمدِ في آفاقِها ..
عبدالله الشعيلي

فاحَت بريّا الحَمدِ في آفاقِها ..

خمسون عاماً توشك على التمام ، من تاريخ انطلاقة نهضة عمان الحديثة ، بقيادة مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المفدى – حفظه الله وأبقاه ..
خمسون عاماً بعثت للأمة العمانية الفخار .. والمجد .. والعلو .. أبداً على شرف المجرة راقـــــي :
” قد بلغتِ الكمال في نصفِ قرن
كيف إن تمّت الملاوة قَرنا “
في هذه الدولة العظيمة ، وجهُ الحياة قد تغيّر ، وقاد جلالة السلطان قابوس شعبه وأمته إلى أسباب التقدم والتطور ، برؤية فاحصة ، وعين خابرة بتاريخ عُمان وأهلها الأشاوس ، فكان قِوام النهضة ورافعها الصلب منذ مِيلادها :
” إنني صاحبُ رسالة ، ولستُ صاحبَ سلطة ..”
من هذا الفكر المستنير ، تبلور منهج الحكم العماني ، المتزاحم الأهداف والرسائل ، فوحّد القائد المفدى أمته على الكلمة السواء ، تحقيقاً للوَحدة والُلحمة الوطنية ، التي كانت صَنعَةَ الّلبوس الأظهر والأبرز في مَنهج النهضة ونهجِها ، تقيهم بأسَهُم ، وبأسَ غيرِهم ، فكانوا من الشاكرين .
إنه العمل الذي اتسم بالوقوف لا الجلوس ، وبالمثابرة لا الدَعة ، وبالتنقل في طول البلاد وعَرضها ، تحت أشعة الشمس .. وما أدراك .. لكنّها الشمسُ التي قال عنها جلالة السلطان “الشمس مشرقةً ولا نريدها أن تغيب عن عُمان .. ”
الشمس التي أمدّت العملَ الوطنيَ بالعناصر الغذائية والمناعية الضرورية ، وأمدته بالصلابة الدافعة ، والعزيمة الدافقة ..
كما اتسم بالتنقل رجالا ورُكباناً على الأرض .. لكنها الأرض التي أنبتت في كل سنبلة مائةَ حبّة ” والله يضاعف لمن يشاء “من توفيق ..
كانت طاقة التغيير ودوافع التطور كامنةً متحفزة ، تنتظر إشارة البدء لتنطلق ، في ملحمة الفداء والكِفاح المستجيب لنداءِ النهضة العَصرية .. ملحمة رواها الشعبُ كلهُ جَسداً واحداً بعرق أجبنُه ، طاويًا صفحة الماضي ، ومُندفعاً نحو صفحاتِ العهد الجديد ، وهو يعزف ” عُمان اسعدي إنا ضمنّا لك السّعدا “.
خمسون عاماً حافلةً بأهداف الدرب الشاق الطويل ، في بلد كان أشبهَ بأرض فضاء ، خالٍ من أسباب النهضة العصرية ، لكنه كان عَميقاً بحضارته ، ثَرياً بتاريخه ، مُعظّماً بترُاثِه ، كبيراً في سجاياهُ ، موفوراً في أصالتهِ ومُحتداه ، إذ قيّض الله له قائداً مُلهما ، انطلق من هذا المكنونِ والمكوّن ، ليأخذ بيد شعبه العظام “بيا أيها الأخوةُ المواطنون ، وشعبيَ العزيز ، وأمثالِهما ..”
هُنا انتقل الفكر السُلطاني بوجهتهِ وتوجيههِ ناشراً العزائم ، وغارساً الحكمة والقيم ، وشارحاً صدورَ شعبه بالطُمأنينة .. مؤكداً على المصير الواحد لأمة عُمان العظيمة ، ليكون لها ” فوق هاماتِ السماءِ خلودُ .. ”
خمسون عاماً من العمل الطامح ، نثرت الخيرَ ونشرتِ النماءَ على امتداد المعمورة . والمواطنُ العمانيُ هو المقصود بحق العيش الكريم على تراب أرضه ، رافعَ الرأس ، موفورَ الكرامة ، في ظل العدالة الاجتماعية ، والحريّة البنّاءة الخلاقة ، وقد اتسم نسجُ سِجادِ النهضةِ المطرز بالأبيض والأحمر والأخضر ، بنفَسٍ طويلٍ لم يعترهِ الكلل ، ولم يجاوره الملل “كالغصنِ أثقلهُ الَجنى “
خمسون عاماً من الأهداف المركزية ، التي انصبّ جهدُ حالِها ومالِها في بناءِ الإنسان ، وتأصيل حقهِ وتبيانِ واجبه ، وفي عقيدتهِ الصلبة ، وفي بنائه الفكري المتعلق بعُمانِه الرؤوم ، بانياً وحامياً ، ومُدافعاً بالقول الصالحِ والعملِ الفالح ، فكانت الشخصيةُ العُمانية الغيورةُ على وطنها ، الحاضرة في السراء والضراء وحين البأس ، الناهلةُ من فكر القائد العظيم ، في العلم والحِلم والشّهامة ، وهي تُطلُ من فوق نخيلِها السّامقاتِ نخيلا ..
كما انصب تركيزها على النهج التشاركي في عملية البناء الطامح على امتداد العقود ، واستكمال منظومة البِنية الأساسية ، التي حركت معها التنميةَ الشاملة ، وانصبّت حكمةُ مقصدها على جعل المواطن آمنا مُطمئناً ، في منأى أمينٍ ، وتحصينٍ مكين ، من كلِ الأزمات والفتن والحروب التي ألهبَت أراضيَ وسماواتِ المحيط القريب والبعيد ، ووقف العُماني الوفيُ فطِناً واعياً لسرائِه ، مُتنبّها بالمِرصاد لضرائه ، في كل الظروف والأزمنة ، تسهرُ على أمنهِ ومُقدارتِه ومُكتسباتهِ أعينُ الليل والنهار ، قواتُ السلطان المسلحة ، والأجهزةُ الأمنيةُ الأخرى ..
خمسون عاماً تكتمل شمسُها من حيث تُشرِق ، في هذا الوطن الجميل ، الذي يضع اليوم أبناءه أمام مسؤولياتهم لتحملها الأجيالُ على الأعناق لترقى .. وترقى .. وترقى .. وترقى .. ويجسدها واقع صادق ينقل قصة شعب آمن بوطنه ، واتخذ مساره بوعي وفهم ، ناقلاً نبض السيادة والسياسة العُمانية إلى المجتمع الدوليّ بأسره . ويدُ عُمان تمتد بالخير والعطاء والمشاركة الفعّالة في أحداثِ العالم وتطوراتِه ، مؤمنةً بحلوِها ، مُنبهة ومحذّرةً وناصحةً من مُرّها ومَهلكِها ، مؤمنةً بأن مُستقبل المنطقةِ والعالمِ يكمنُ في التعايش والتعاون البنّاء ، والسلام .. وحدَهُ السلام فأعظِم بقائدِ السّلام فقد :
مُلئَت له الأرضُ الفضاءُ فضائلاً
فاحَت بِرِيّا الحمدِ في آفاقِها ..

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.