الإثنين, 23 سبتمبر , 2019
الرئيسية | أروقة المحاكم | وعد كاذب بالزواج ينتهي بجريمة قتل
محمد بن سعيد المعمري

وعد كاذب بالزواج ينتهي بجريمة قتل

محمد بن سعيد المعمري


النهايات السيئة تعطي إشارات قبل حدوثها بفترات زمنية، وعلى المرء أن يكون حاسمًا في الكثير من الأمور، وأن لا ينتظر الأفضل من سلوك مشين ينحدر به نحو القاع وربما النهاية.

ما الذي يحتاجه المرء، لمعرفة حقيقة الأشخاص، موقف، موقفان. ربما حتى ألف موقف لن يغير قناعة من يعطل العقل، ليجري الشيطان في داخله، ويقود دفة شعوره ، فيسير به نحو مجاهل التيه.

هي فتاة وُصفت بالمثابرة والمجتهدة في الجامعة، أنهت الدراسة بتقدير امتياز، والتحقت بالعمل في الأشهر الأولى بعد التخرج، وكانت أيضا كما عُرف عنها..شمعة عطاء لا تذوب ولا تنطفىء!

في يوم من الأيام، وأثناء عودتها من العمل؛ تنبهت إلى وجود سيارة خلفها، تُلاحقها إلى أن تصل المنزل، ثم تختفي بعدها، وفي اليوم التالي حصل الأمر ذاته وفي اليوم الثالث والرابع.. والأسبوع الأول والثاني…!

في الأسبوع الرابع وبينما هي تركن سيارتها أمام المنزل، توقفت السيارة خلف سيارتها مباشرة، كان زجاج السيارة مغلف بالعازل الحراري ما يحجب الرؤية، وما هي إلا لحظات، ثم غادر المكان دون أن يحدث شيء يذكر.

ظلت هي تفكر في حقيقة الشخص الذي يتبعها، كان الفضول ينمو في داخلها، الفضول الذي منعها من إخبار أهلها والتوق لمعرفة ذلك الشخص.

في اليوم التالي كانت وحدها تسير باتجاه المنزل، ظلت تراقب المرآه.. لا أحد خلفها! وفي اليوم التالي لا أحد..اختفت السيارة طيلة الأسبوع.

في اليوم الأول من الأسبوع التالي، وفي لحظة خروجها من مقر العمل، وجدت ورقة ملفوفة على منشفة السيارة وقد كتب عليها : ” مساء الخير.. أنا الشخص اللي تعودت أن أمشي وراءكِ إلى بيتك حتى أطمئن انك وصلتِ بخير، وللأسف صار لي حادث وظليت أسبوعًا في المستشفى وسيارتي بعدها في التصليح، ارتحت كثيرًا لما شفتك واطمنت عليك .. ” .

وما إن قرأت الرسالة حتى حملقت عيناها ودق قلبها، ربما خوفا أو فرحا، واحتارت فيما تفعل، كلما طوت الورقة تعاود فتحها لتقرأ المكتوب من جديد.

وما إن قرأت الرسالة حتى حملقت عيناها ودق قلبها، ربما خوفًا أو فرحًا، واحتارت فيما تفعل، كلما طوت الورقة تعاود فتحها لتقرأ المكتوب من جديد.

بقت لأيام تُفكر في تلك الكلمات، ولم تجد إجابةً لسؤال واحد من جملة أسئلتها.

أخذت تفكر في الأمر بجدية، هل هو زوج المستقبل؟

أيعقل أن يكون هو فارس الأحلام؟

لماذا هو هنا في هذا التوقيت؟

أيعقل أنه معجب بي ويرغب في الزواج مني ؟

هل سيكون أبًا لأطفالي؟

لكن، لحظة.. لحظة : من يكون هذا الشخص أصلًا؟ ( تضحك.. تضم مخدتها ثم تغمض عينيها كأنها تنام!)

بعد مضي أربعة أيام، تفاجأت بسيارته واقفة على بعد أمتار من المنزل، ثم راح يقترب بمجرد وصولها، فتح نافذة السيارة وسلم عليها، امتلأ قلبها بشيء لا تعرف كُنهه،  حبست أنفاسها كيلا يسربه الزفير، ثم رفعت رأسها وردت السلام بابتسامة، و دخلت إلى المنزل .

في صباح اليوم التالي، ورقة أخرى على المنشفة، كلمات كثيرة مصفوفة ومنمقة بعدة ألوان، مذيلة برقم هاتف بين قلبين بلونين الأخضر والأحمر.

بدأ التواصل بينهما عبر المسجات، ثم الاتصالات، أخبرها عن نيته بالزواج منها، ورسم لها الأحلام الوردية، عالم سرمدي من الأمنيات الخالدة.. تعلقت به وتفتقده كثيرا، واعتبرته هبة الله، لأن مجيئه في حياتها صادف الأيام التي تبرعت فيه بجزء من راتبها لأسرة فقيرة، فأعتقدته كارما حسنة لفعل خيّر.

بعد أشهر على تواصلهما، حدثها عن مشاريعه وأن لديه صفقات تدر له مئات الآلاف، وأن الفضل كله يعود إلى الله وإلى دعاء والديه له ورضاهم عنه.. ابتسمت هي وأحست بالسكينة، ودعت له : الله يوفقك يا حبيبي ويجمعنا تحت سقف واحد في القريب العاجل.

رد عليها : قريب قريب أجي بيتكم واتقدم لك، لكن عندي صفقة لازم أخلصها أول وأريدك تشاركيني فيها، وبنربح ذهب ونُؤمّن مستقبلنا ومستقبل أولادنا.

قالت : كم تحتاج عمري؟

– فقط عشرين ألف.

– بس ما عندي هذا المبلغ ولا أفديك.

– ما تقصري حبيبتي أعرفك، سوف أتصرف، وعسى أن هذا الموضوع ما يؤخر زواجنا. أرجوك ادعي لي يا عمري.

– أدعو لك دائما حبيبي، وأنا سأحاول أفكر في طريقة لتوفير المبلغ المطلوب، وهذا وعدٌ مني،  وما لك الا اللي يرضيك وإذا عندك حل قولي.

– ما أريد الا الدعاء؛ لأني أخاف أن تاخذي قرض، والربا حرام ما زين،  إلا إذا دفعناه بسرعة لأني لا أرضى أن تأكلي أنتِ وأولادنا الحرام.

– قرض! حبيبي أنا لا أحب القروض، ولكني سأضحي لأجلك فقط .

بعد أسابيع استلم المبلغ كاملا، والتزمت هي بأقساط شهرية، ثم أخبرها بأنه يحقق أرباحاً جيدة،  وسدد عنها بعض الأقساط لثلاثة أشهر، طلب منها الخروج معه، بدأ اللقاء والعناق والقبلات وذهب بها إلى أبعد من ذلك حين طلب منها طلب اجازة طارئه، ليقضيا اليوم في غرفة بأحد الفنادق.

استمرت حياتهما على هذا المنوال، هي تدفع الأقساط البنكية وهو يطلب مزيدا من المال ، ويلتقيان للممارسة المعتاد كما لو كانا زوجين.

ارتفع القرض إلى أن رفض البنك منحها المزيد، فأخذ يقاسمها المتبقي من راتبها، وما كانت لتعصي أمره، أحبته بكل مشاعرها، ورغم تساقط أقنعته واحدا تلو الآخر؛ ظلت تحرص على إسعاده.

هذا الرجل كانت لديه سوابق جرمية، صحيفته الجنائية مليئة بقضايا النصب والاحتيال والتزوير..إلخ، ولكنها  لم تكن تعرف كل ذلك، أرادته زوجا لها، ثم استحال إلى سرها الذي لا تريد أحد أن يعرفه، لذلك لم تكن تسأل عن شيء يخصه، فهو من ولاية مجاورة، وجل ما تعرفه عنه ما يخبرها به.

مرت سنتين ونيف على هذا الحال، مواعيد ولقاءات حميمية، مما أدى إلى انقلاب حالتها رأسا على عقب، إهمال في العمل، تقصير مع الأهل، أصيبت به حد الاستبداد، ولم تكن لتغير شيء من حياتها، واستسلمت لكل رغائبه ونزواته، بدت كقارورة لو انكسرت لم يكن شيئا في داخلها غير الحطام!

عاد لطلب المال مرة أخرى، ولم يبقَ معها شيء، خطط في طريقة لاستعمالها كأداة في عملية احتيال على احد الشيوخ الأثرياء، نجحت الخطة واستولت على مبلغ مالي فأخذه منها ومدح ذكائها الخارق.

بعد أسابيع تنبه الشيخ إلى وقوعه ضحية جريمة احتيال، وتحرى عن المرأة حتى توصل إلى معلومات كاملة عنها، اجتمع بها وقال لها لا أريد أن افضحكِ عند أهلك، أعيدي إلي َ المال فقط!

ارتعدت تحت تهديدات الشيخ، والتقت بالرجل لتطلب منه إعادة مال الشيخ والا ستقوم بفضحه وتخبر الشرطة بأنه من دبر الحيلة، وتخبر الشرطة عن كل شيء، وتشتكي لهم عن كل ما حصل معها، وتطالبه بإرجاع جميع أموالها التي أخذها منها.

وقف الرجل ينظر إليها، لأول مرة تتحدث معه بطريقة حاسمة وعنيفة، كان يراها لاشيء أمامه، مجرد أداة لصرف المال وتحقيق الرغبات إن دعت الحاجة.

ضمها بهدوء، ووعدها بحل المشكلة مع الشيخ.

خرجت من عنده على أمل اللقاء بعد يومين، طلب منها أن تكون حذرة وأن لا تخبر أحدا عن أي شيء، وطلب منها أيضا الاحتراس أن لا يعلم أحد وقت مجيئها إليه في الموعد القادم؛ لكي ينتهي الموضوع ويتفرغا معا لمواصلة حياتهما والزواج بعد ذلك.

وبعد يومين كانا على الموعد، اِلتقيا في منزل، فجأة انقطعت الكهرباء، اقترح عليها الصعود إلى سطح المنزل إلى أن تعود الكهرباء فالجو حار في الغرفة.

وقفت بجانبه وأسندت ذراعيها على جدار السطح، اختفت المنازل تحت جنح الظلام، بدا كل شيء يعود إلى أصله، رفعت رأسها تراقب النجمات، تذكرت طفولتها عندما كانت تستلقي على فراشها بجانب أفراد أسرتها على سطح المنزل، وكيف كانت تنافس شقيقتها على احتساب النجوم، وتستمع إلى والدتها عن أساطير بنات النعش.

تدحرجت دمعة من عينها دون تبين ذلك.

بعد لحظات عادت الكهرباء، طلب منها النزول أولا : اركضي وانا اركض وراك.

نزلت بخطوات متسارعة ، وبحركة مباغته دفعها بكلتا يديه لتسقط عبر السلالم، لحق بها مسرعًا، أمسك برأسها وأخذ يطرق به على الدرج حتى تهشم، حملها إلى المطبخ ليستخرج الأدوات التي أعدها مسبقا لإكمال جريمته، مزق الجثة إلى عدة قطع، رمى الأشلاء في كيس أسود، ونقلها ليتخلص منها في ولاية أخرى تبعد أكثر من 300 كيلو متر.

اختفت المرأة، لا أثر لها، نشطت فرق البحث والتحريات.. لا أثر !

بعد ثلاثة أيام تنبّه أحد العمال إلى وجود كيس تنبعث منه رائحة كريهة جدا، ويحوم حوله الذباب الأزرق، دفعه الفضول إلى فتح الكيس، ثم التواصل مع الشرطة.

في هذه الأوقات وقبل أن تتعرف الشرطة على هوية المجنى عليها، اتصل رجل يستفسر من شرطة الولاية :

-حصلتوا جثة البنت اللي تدوروها؟

– جثة البنت؟ اي بنت وكيف عرفت انها قُتلت؟ ( الشرطي كان ذكيا)

أغلق الاتصال مباشرة، وبتتبع الرقم عُرف المتصل واتضح انه القاتل، وتم فحص رقم الضحية وتبين الاتصالات الأخيرة بينهما.

تم القبض عليه واستعصم بالانكار لكن تحت ضغط التحقيقات إعترف بالجريمة.

أقر بأنه أراد التخلص منها لكي لا تفضحه أمام الشيخ وتورطه بمشاكل أو تطالبه باسترجاع أموالها، وبأنه قد حضّر للجريمة ومهد لها بشراء ساطور وأكياس سوداء، وكان يخطط لخنقها، لكن استغل لحظة انقطاع الكهرباء و وجودهما على سطح المنزل.

أحيل إلى المحكمة الجنائية وحكم عليه بالإعدام، وتم تنفيذ الحكم رميا بالرصاص .

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.