الجمعة, 3 أبريل , 2020

أفواهنا مداخن في حضرة الثلج نحترق

بحرارة أجسادنا المتلهفة نحن ابناء الأحضان الملتهبة، أبناء الكرك في حضرة الشمس الصاهدة، أبناء جلسات الشواء في المناخات الاستوائية، أبناء الأرض السمراء والجبال الجميلة العارية نخبئ في جيوبنا محبتنا لقسوة الطبيعة التي اعتدناها نحمل ضحكات بطعم الملح ونكات تتجاوز مقالب الحياة محولة الانكسارات إلى فرح

نلج بكل تلك الأطباع لنلامس أسطح اسطنبول الباردة، غدت افواهنا كالمداخن مع كل كلمة ننطقها تحترق مدخنة!
كلا هي حرائقنا المهربة في أحشاء المواقف تصطدم برطوبة الأمكنة فتنطلق في سماءات الحرية وبلاد الثلج
لأكن صريحة “بمعطفي والفرو الذي يحوط رأسي ليحفظ جمجمتي من أن تتحول إلى كيس عظام جليدية فقد تبخرت كل تلك الأحلام الطفولية التي احتفظت بها حتى حين” فحين جاء الثلج حقا كنت قد تركت الكثير خلفي والعودة طريق ملغم ينبئ عن انفجار صامت، قد يهلك دون صوت وقد تتبعثر اشلاءك دون دماء، فتركت كل العبثيات المتشبثة وانطلقت نحو الفرح المتئد المتأني،  ولم يحدث شيئا من الذي كنت اعيشه شغفا في بطن رسوم الكرتون ولا في أفلام الرومنسية، انا لم اضع لرجل الثلج قبعة سوداء ولا انف جزرة ولا خلعت لأربط على عنقه وشاحي، بل أنا لم اصنع رجل الثلج اساسا، ولم أتقاذف كراته الثلجية مع الرفاق، ولكن كانت علاقتي به قد اكتفت بالإنزواء في كوخ على هيئة مقهى، أقف من خلف الحدود الزجاجية لأواصل عاداتي السيئة بسبر التفاصيل العميقة فما الذي قذف بي من دفء عمان إلى قمم جبال بورصة لأغدوا كتلة تلفها ملابس الحذر وقفازات الوقاية ووجه محمر حد السيلان وبروح كأنها تكنس تراكمات الأعوام الماضية

في شارع الاستقلال بميدان تقسيم كان الكل مشغولا بلا شيء، زرفات من البشر يمشون وكنت أطلق ساقيّ للرياح وكأنني منهم ومعتادة على الشارع، غناء وعزف وتصفيق وفقر وبوتقة تنتصف الحاوية يرمي فيها المتعبون ليرات من طرب، محاطة بقارات عديدة في وجه بلد واحد،  اختلط المهاجرون بالسكان الأصليون، تجد الاثنين أتقن لغة الآخر، لمحت أحدهم يبصق في الشوارع النظيفة تلك الشوارع التي تغتسل من أدران الأمس عند كل فجر، لا ينتظرون المطر ليعقم الأرصفة يتضح من تفاصيلهم أن النظافة لديهم اسلوب حياة، عدت لأفكر بالذي بصق بؤسه على الطريق شاهدته يحدث آخر بالعربية، صدق حدسي للأسف نحن العرب احيانا نشوه أنفسنا والعالم معا ونعطي صورا مغلوطة عنا، ألم يعلمكم الزمان بأن في داخل كل فرد منكم سفير وسفارة وتحملون في صدور تنقلكم صورة وطن، رمى الصديق الاخر عقب سيجارته النصف المحروقة، حتى برغم كل ما يعانية من لجوء وكرب وغربة واستيطان بلد فتحت له أسواقها قبل جوامعها فلم يأبه بأن يسجق السيجارة او يطفئها تازكا إياه للصدف أن تخمدها، انتزع شرودي صوت رجل ذو سحنة خمسينية يزجي بضاعته علينا عارضا قائمة الطعام يدعونا أن ندخل إلى المطعم ويعدنا بالتحضير الفاخر، ملامح وجهه ولونه تشبه الأفرنج، تحدث العربية بطريقة مفهومة دامجا بين الفصحى والشامية، شكرته على العرض أخبرته ان الوقت لم يزل باكرا على العشاء وأننا سنتسوق ونعود لاحقا، ضحك بصوت عالٍ قائلا ” لا أثق بمن يذهب في هذا الطريق ويقول سأذهب وأعود، كان اسلوبه ساخرا وملبدا في الحزن ذات الوقت، استدرك قائلا” سلكت جدتي هذا الطريق منذ ثلاثة أعوام قالت سأذهب وأعود ومن يومها لم تعد” ظننتها رحلت ولكنه قاطعني بل هي تعيش واصبحت معكوفة وظهرها محدودب وتبلغ المائة عام ولكنها اختارت الرحيل وانا اعلم انها في بقعة ما تتنفس الحياة ولكنها لن تعود، تعجبت من حديثه، فاجبته انا لست جدتك ولن اسلك ذات الطريق لكي لا تقلق وسأتخذ طريقا اخر وربما سأعود، الساحات مضرجة بالكثير، بالحكايا والتاريخ والمعمار والفن وبنسيم شتاء بارد يجعلني اهرب من ميدان الاستقلال إلى سجن الفنادق والغرف.

منى المعولية

#عاشق_عمان

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.